مركز الثقافة والمعارف القرآنية
139
علوم القرآن عند المفسرين
الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ « 1 » الآية ، لما ذكر اتباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاء للفتنة ذكر أنهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له ، وليس إلا لأن التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتباعهم للمتشابه اتباعا حقا غير مذموم ، وتبدل الأمر الذي يدل عليه المحكم وهو المراد من المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه واتبعوه . فقد تبين : أن تأويل القرآن حقائق خارجية تستند اليه آيات القرآن في معارفها وشرائعها وسائر ما بينته ، بحيث لو فرض تغير شيء من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين . وإذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 2 » ، فإنه يدل على أن القرآن النازل كان عند اللّه أمرا أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطع والتفصل ، لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقررا وألبسه لباس العربية لعلهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله ومعرفته ما دام في أم الكتاب ، وأم الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 3 » ، وبقوله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ « 4 » . ويدل على إجمال مضمون الآية أيضا قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ « 5 » ، فالإحكام كونه عند اللّه بحيث لا ثلمة فيه ولا فصل ، والتفصيل هو جعله فصلا فصلا وآية آية وتنزيله على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ويدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا « 6 » ، فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق ونزل تنزيلا وأوحي نجوما .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 7 . ( 2 ) سورة الزخرف : الآية 2 - 3 . ( 3 ) سورة الرعد : الآية 39 . ( 4 ) سورة البروج : الآية 21 و 22 . ( 5 ) سورة هود : الآية 1 . ( 6 ) سورة الإسراء : الآية 106 .